
في بدايات حياتي العملية بتلفزيون الجزيرة في ود مدني، عاصرت رجلاً لا أنسى مواقفه ولا طريقته الخاصة في إدارة العمل. كان الأستاذ عبدالحميد الشريف، رحمه الله، مديراً لإدارة التشغيل، وهي الإدارة التي يمكن أن نصفها بأنها قلب التلفزيون النابض؛ إذ تحتضن الأقسام الفنية كافة، وترتبط بصورة مباشرة بكل تفاصيل الإنتاج التلفزيوني.
كان عبدالحميد رجلاً طيب القلب، مصلياً، أميناً ومؤتمناً، لا يعرف الكلل ولا الملل. تراه في مكتبه صباحاً، وقد تجده ليلاً ما زال يتابع العمل، حريصاً على أن يؤدي كل شخص واجبه كما ينبغي.
وكان له موقف صار مضرباً للمثل في محاربة التراخي والتقاعس.
ذات يوم، تقدم بطلب إلى الإدارة لاعتماد حافز خاص للمتقاعسين عن العمل، وبمبلغ كبير. فاستغرب الجميع، واعتقد بعضهم أنه يريد مكافأة من لا يقومون بواجباتهم!
وعندما طُلب منه أن يشرح فكرته، قال بسخريته المعهودة إن الحافز سيُكتب في أعلى الـ«بنشيت»: «حافز للمتقاعسين».
ثم شرح فكرته قائلاً، بمعنى حديثه: عندما يصرف الموظف الحافز، فقد أصبح اعترافاً منه أمام نفسه والإدارة بأنه متقاعس، وبالتالي لن يستطيع في نهاية العام أن يحتج إذا جرى تقييم أدائه على هذا الأساس، أو اتُّخذ بحقه أي إجراء إداري بسبب تقاعسه.
في البداية تعجبت من الفكرة، لكنني سرعان ما اقتنعت بمنطقها؛ فقد كان الرجل يريد أن يجعل الاعتراف بالتقصير مدخلاً للمحاسبة، لا باباً للمجاملة.
واليوم، وأنا أستعيد تلك القصة، أجدني أمام مفارقة أكبر، وأمام «حافز» من نوع آخر، لكن هذه المرة على مستوى وطن كامل.
فإذا كان التقاعس يستحق عند عبدالحميد الشريف أن يُسمى باسمه حتى لا يختلط الأمر على أحد، فإن التاريخ أيضاً لا بد أن يسمي الأشياء بأسمائها، وأن يضع كل إنسان في الموضع الذي يستحقه وفقاً لما قدمه لوطنه أو ارتكبه في حقه.
ومن هنا تأتي دعوتي إلى تكريم الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، وترقيته إلى رتبة المشير، تقديراً لدوره في قيادة القوات المسلحة خلال واحدة من أصعب المراحل التي مر بها السودان.
لقد كانت الحرب امتحاناً قاسياً للدولة والجيش والشعب، وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة القيادة. والبرهان، ومعه ضباط وجنود القوات المسلحة، والقوات المشتركة، والشرطة، وجهاز الأمن والمخابرات، ودرع السودان، وحركات الكفاح المسلح، وكل من وقف إلى جانب الدولة، واجهوا حرباً لم تكن معركتها عسكرية فقط، وإنما كانت معركة على بقاء الدولة ووحدتها ومؤسساتها.
وكان خلف هؤلاء جميعاً شعب سوداني دفع ثمناً باهظاً، وصبر على النزوح والفقد والجوع والخوف، لكنه ظل متمسكاً بوطنه وبفكرة الدولة.
ولذلك فإن أي تكريم للقيادة العسكرية لا ينبغي أن يُفهم بمعزل عن أولئك الجنود المجهولين الذين وقفوا في الصفوف الأولى، وعن المواطن الذي تحمل مرارة الحرب، وعن كل أم فقدت ابنها، وكل أسرة فقدت بيتها، وكل سوداني ظل يحلم بيوم يعود فيه الأمن إلى بلاده.
أما المفارقة التي صنعت عنوان هذا المقال، فهي أنني ــ على طريقة عبدالحميد الشريف ــ أطالب أيضاً بمنح محمد حمدان دقلو «حميدتي» رتبة المشير!
لكنها رتبة من نوع مختلف تماماً؛ رتبة تُكتب فوقها الحقيقة كاملة، حتى لا يختلط التكريم بالعقاب، ولا البطولة بالهزيمة.
«المشير حميتي.. تقديراً لحجم ما نُسب إليه من جرائم ودمار وانتهاكات في حق السودان وشعبه».
فالمواطن السوداني الذي عاش الحرب رأى بأم عينيه ما خلفته المعارك من دمار ونزوح وانهيار في الخدمات والبنية التحتية، وفقدان للأمن والاستقرار، وما رافق ذلك من انتهاكات واسعة نسبت إلى قوات الدعم السريع ومجموعات مرتبطة بها.
لكنني هنا أقول شيئاً مهماً: التاريخ لا يُكتب بالشتائم، ولا تُثبت الجرائم بالانفعال، وإنما بالوقائع والأدلة والتحقيقات والشهادات الموثقة.
ولهذا، فإن كان ثمة «ترفيع» من هذا النوع، فليكن ترفيعاً إلى أعلى درجات المسؤولية التاريخية والقانونية، حتى يعلم الجميع أن الرتب العسكرية ليست مجرد نجوم على الأكتاف، وإنما سجل ومسؤولية ودماء وحقوق شعوب.
إن الرتبة التي يستحقها القائد الحقيقي هي تلك التي تزداد قيمتها كلما مر الزمن، لأنها ترتبط بالإنجاز والتضحية وحماية الوطن.
أما الرتبة التي ترتبط في الذاكرة العامة بالدمار والخراب والانتهاكات، فإنها تتحول إلى شاهد على صاحبها، لا إلى وسام له.
وهنا تتجسد المفارقة بين رجلين، وبين طريقين، وبين صورتين في ذاكرة السودان.
عبدالفتاح البرهان في لوحة القيادة والمواجهة وحماية مؤسسات الدولة كما يراهو اهل السودان م وانا احدهم ، وحميدتي في لوحة أخرى صنعتها الحرب وما ارتبط بها من اتهامات وانتهاكات ودمار.
والفصل النهائي في كل ذلك ليس للكاتب، ولا للسياسي، ولا للمتحدث باسم أي طرف؛ وإنما للتاريخ والقانون والعدالة والشعب السوداني.
وكما كان عبدالحميد الشريف يريد أن يجعل «حافز المتقاعسين» اعترافاً مكتوباً لا يستطيع صاحبه إنكاره، فإن التاريخ أيضاً يكتب عنا جميعاً ما لا نستطيع محوه.
فلا يمكن أن تكون كل الرتب تشريفاً.
هناك رتبة يرفع بها الإنسان لأنه حمى وطنه، وهناك رتبة يرفعها التاريخ فوق رأس صاحبها لتكون عنواناً لما فعل.
وكل مثنى إلا الله فرد.
الليل والنهار مثنى، والحق والباطل مثنى، والخير والشر مثنى، والصدق والكذب مثنى، والنصر والهزيمة مثنى.
وفي نهاية المطاف، يبقى السودان هو السودان؛ أرضاً وشعباً وتاريخاً، ولا يحميه إلا أبناؤه، ولا تصونه إلا وحدته، ولا تنهض به إلا مؤسسات دولته.
وقد أثبتت هذه الحرب أن قوة الجيش لا تنفصل عن قوة شعبه، وأن صمود الشعب هو السند الحقيقي لكل مؤسسة وطنية تقاتل من أجل بقاء الدولة.
ولذلك، فإن السودان الذي نحلم به ليس سودان الانتقام، وإنما سودان العدالة والمحاسبة والمصالحة والسلام، وسودان لا يفلت فيه مجرم من العقاب، ولا يُظلم فيه بريء، ولا تُباع فيه كرامة الوطن في سوق المصالح.
رحم الله عبدالحميد الشريف؛ فقد ترك لي قصة صغيرة من بدايات عملي في التلفزيون، لكنها اليوم تبدو أكبر من مجرد حكاية عن مدير مجتهد.
فقد علمني، من حيث لا أدري، أن تسمية الأشياء بأسمائها قد تكون أحياناً أقوى من ألف خطاب.



